ابن قيم الجوزية
281
الطب النبوي
وقد اعترف فضلاء الأطباء : بأن ماءها يجلو العين . وممن ذكره المسيحي وصاحب القانون ، وغيرهما . وقوله صلى الله عليه وسلم : " الكمأة من المن " ، فيه قولان : ( أحدهما ) : أن المن الذي أنزل على بني إسرائيل لم يكن هذا الحلو فقط ، بل أشياء كثيرة من الله عليهم بها : من النبات الذي يوجد عفوا من غير صنعة ولا علاج ولا حرث . فإن " المن " مصدر بمعنى المفعول ، أي : ممنون به . فكل ما رزقه الله العبد عفوا بغير كسب منه ولا علاج ، فهو من من الله تعالى عليه : لأنه لم يشبه كسب العبد ، ولم يكدره تعب العمل . فهو من محض : وإن كانت سائر نعمه منا منه على عبده ، فخص منها مالا كسب له فيه ولا صنع ، باسم المن : فإنه ( من ) ( 1 ) بلا واسطة العبد . وجعل سبحانه قوتهم ( 2 ) بالتيه : الكمأة ، وهى تقوم مقام الخبز . وجعل أدمهم : السلوى ، وهو يقوم ( 3 ) مقام اللحم . وجعل حلواهم : الطل الذي ينزل على الأشجار ، ( وهو ) ( 4 ) يقوم لهم مقام الحلوى . فكمل عيشهم . وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم : " الكمأة من المن الذي أنزل الله على بني إسرائيل " ، فجعلها من جملته وفردا من أفراده . والترنجبين - الذي يسقط على الأشجار - نوع من المن ، ثم غلب استعمال المن عليه عرفا حادثا . ( والقول الثاني ) : أنه شبه الكمأة بالمن المنزل من السماء ، لأنه يجمع من غير تعب ولا كلفة . ولا زرع بزر ( 5 ) ولا سقى . فإن قلت : فإذا كان هذا شأن الكمأة ، فما بال هذا الضرر فيها ؟ ومن أين أتاها ذلك . فاعلم أن الله سبحانه أتقن كل شئ صنعه ، وأحسن كل شئ خلقه ، فهو - عند مبدأ
--> ( 1 ) زيادة عن الزاد 182 . ( 2 ) بالأحكام 1 / 70 : قولهم . وهو تصحيف . ( 3 ) كذا بالزاد . وهو الظاهر . وفى الأصل : وهى تقوم . ولعله تصحيف . والسلوى : طائر يشبه الحمامة ، ويطلق على العسل أيضا كما في المصباح . ( 4 ) زيادة حسنة لم ترد في الزاد أيضا . ( 5 ) كذا بالزاد والاحكام . وفى الأصل : بذر .